أمينة بتقولك نيو مامي

منى وهدان | تكتب : “زين ” الذي وُلِدتُ يوم وُلِد

بخطى وئيدة إقتربتُ من مهده الصغير، أتراقص على أطراف أصابعي كإحدى راقصات البالية، بللت رئتاي بتلك الأبخرة العطرية الدافئة المتصاعدة عبر أنفاسه، و بهدوء مضطرب إنتشلت أجنحته الصغيرة و ضممتها بقوة إليّ ، حتى كدت أشعر أنني و من قوة الضمّة كسرّتها ، هذا كله فقط لأستعيد حرارة تلك اللحظة، لحظة ميلاد “زين” ، صغيري الذي يبلغ من العمر حتى لحظة كتابة هذا المقال 3 أشهر و 16 يوم . فقبل ١١٧ يوم من الأن و تحديدا في فجر يوم 17-10-2017 ، تلحّفت ضعفي و قلقي اللحوحيّن في هذه الزاوية الواقعة على بعد خطواتٍ مني ، و رحت في نوبة بكاءٍ شديدة، مرّت خلالها أحداث الأشهر التسع العصيبة من أمامي مهرولة ، كأنها قطار ماجن يخترق صفحات الظلام الحالك ليعيث بهدوء الأجواء من حوله فسادا، هالني صوت ذلك الهاجس المنبوذ بداخلي حين حدثني قائلا: “إزاي هتدخلي غرفة عمليات و تتخدري و يفتحوا فتحة في جسمك و انتي اللي عمرك ما خلعتي ضرس؟!” ، هاجمته بما وقر في نفسي من إطمئنان إستقيته من بحث في تجارب الأخرين قائلة ” أيوة بس كل يوم في ناس بتعمل العملية دى و بتعيش عادي” ، فطرحني أرضا: “أيوة بس الناس دي محلموش بكل اللي ماتوا لهم لمدة أسبوعين متواصلين قبل العملية، إستسلمت أخيرا لسطوة الأمان بداخلي و قررتُ أن أضع حدا لهذا العراك الدامي و أذهب معصوبة العينين حيث تشاء إرادة من أراد لهذا الشئ – في أحشائي- أن يكون فكان. – خلال رحلة الخطى الثقيلة المتثاقلة من بيتي إلى المستشفى، القريبة جدا منه، كانت العثرات في عيني أثقل من أن تتوارى خلف الجَلد، شعرت بتلك الحرارة تكوي جفوني كيّا كلما عاندت شهية الدمع و تماديت في إظهار عكس ما أشعر، كان لأصوات ضحكات أخواتي الحالمات و إبتسامة ثغر أمي الصبورة وقع غريب حينها، لامست بيدي أركان ذلك الشعور الذي لم اختبره حتى يومها بأن “الروح غالية ولا يستطيع أحد تقدير قيمتها و لا حتى الجسد المملؤ بها إلا حينما يعتريها خطب ما” ، في ذلك اليوم كان خطب مفزع يعتري روحي بل يتحفظ عليها تحت مخالبه كطائر جارح مستأثِر بفريسته. قاومت ضعفي حد التعب و تظاهرت باللا مبالاة حد التورط فيها حقيقةً لا إدعاء، حتى جيئ لي بذلك السرير المدوّلب الذي تُحمل الضحايا عليه في ساحات المعارك ليتم التعامل مع جراحها في غرفة العمليات و من ثم يتبين ما اذا كان هناك أمل ام لا ، جرحي في تلك اللحظة كان عصيٌ على التعامل معه، كنت قد إستسلمت لضعفي و قلقي حد فقدان القدرة على التحكم في أطرافي، و بينما أنا ممدة على هذا المدوّلب ، كانت العبرات تقفز من جانبي عيوني كأنها فئران وليدة يطاردها قط مفترس، تقبّل أمي جبيني و تمسح خطايا الدمع عن جفوني فتعاود الفئران فعلتها و تهرول هربا من القط المفترس فتجدد خطايا دموعي فعلتها هي الأخرى .

 

دفء خافت فشعور مفاجئ بالوحدة يعتريها البرد، فرجفة تستشري في أوصالي، و هلع أصبح هو سيدي و سيد الموقف كله، و بين لحظة و تاليتها تخلت جدران المبني و أرضه عني وحدي من بين كل الحضور، و استحالت كل محددات المكان لسقف يصرخ بالأضواء، لونه أبيض فاقع، يوجع الناظرين، يخطو المدوّلب خطواته المسموعة بدأب غريب، و يحتل الصقيع كل موطن للدفء فيّ. و بعد نفق طويل من أنوار السقف الساطعة و البرودة غير المحتملة و الوحشة بعيدا عن حضن أمي، دلفت إلى ثلاجة واسعة، بابها معنوّن “غرفة العمليات” ، كنت هَلعة من هول ما أنا بصدده، تطايرت الأسئلة في رأسي كحمم بركانية ساخنة ، مغايرة لطبيعة الأجواء من حولي: هل سيحول الخوف دون وصولهم لأحد عروقي الباسلة؟ أم أن جميعها سيجبن مثلي من هول ما يشعر ؟ هل سيفور الدم من بطني بمجرد شقه بالمشرط؟ و يحاولون إنقاذي فيفشلون و أرحل بلا عودة ؟! تُرى هل سأشعر بذلك الألم الشديد بالفقري بينما يحقنه الطبيب بالمخدر ؟ هل يمكن أن تتسبب تلك الإبرة في إصابتي بالشلل؟ إذن هل لي بحركة في قدمي لمرة أخيرة؟ و بينما أنا في دوامتي الخاصة اسأل، ترتجف أوصالي رافضةً الإجابة، إذا بطبيب التخدير دكتور عماد كما سمعتهم ينادونه، رجل أربعيني، ذو ملامح مألوفة، بها مسحة من الطيبة، تشعرك للوهلة الأولى أنك تعرفه، شعرت فيه بشيئ من الألفة ، أغمضت عيني للحظة فشممت رائحة أمي الآمنة و إبتسمت لأتجاوز دوامتي الأولى إلى دوامة جديدة؟ : مالي و مال الحمل و الولادة بس يا ربي؟ ما كنت مرتاحة و بخطط لمستقبلي و بطور من نفسي ؟ ليه إستجّبت لزنهم؟ انا خايفة أوي يا رب ، يا رب لو هموت بلاش تخليني أموت موجوعة! .

 

صوت دكتور عماد الذي يحاول إيجاد عرق باسل في يدي ،يخترق الدوامة خاصتي قاصدا أذني : أسمك إيه ؟ – منى ، و ليه جسمك بيرتجف بالشكل دا؟ -لأني خايفة أوي انا أول مرة أدخل غرفة عمليات، بتدرسي ولا بتشتغلي؟: انا بشتغل صحفية ، طيب يا أستاذة انا ليه حاسس انك قوية و أقوى من كده ..إن شاء الله بسيطة و تقومي بالسلامة، عَبرة أخيرة تكسوها نصف إبتسامة و لسان مرتجف بدأ في الدعاء لمن أوصوه سلفا بالدعاء و جفن إستجاب لنداء التلسيم بإرادة الله فإحتضن نصفه الأخ و سكن. سكينة لم تدم طويلا بعثر وقارها صوت ” زين” يكمل صرخة كان قد بدأها قبل أن يشقوا السور الذي يفصل صوت و أنفاس أحدنا عن الآخر، جاءوا به إلي كي أقَر به عيني، فشعرت و كأنني فطرت على حبه قبل 27 عام، و نسيت حنقي كله بسبب الحمل و شهوره الثقال ، تناسيت حتى هول اللحظة الذي أشعلته رائحة جلدي الذي يقومون بكيّه و لم أر سوى ملامحه البكر و كفه الدقيق يلمس خدي في حنو لم أعهده يوما، سألني زوجي الذي كان يستعد لتصوير ثلاثتنا فيديو للذكرى تقولي إيه لزين يا نونو ؟ فأجبته باكية بحشرجة غير مفهومة : بحبك ..بقول له بحبك يا زين… بحبك اوي .

 

تفاصيل كثيرة أذكرها كلها كأنها وقعت للتو ، تستفيق في جسدي الآن كل قشعريرة عايشتها، و تزكم رائحة “العمليات” أنفي حتى أنني أكاد من فرط الدوار أستسلم للشعور بالقئ كما – حينها- فعلت. في نهاية الْيَوْمَ خرجتُ من ذلك الصندوق قارس البرودة فتاة أخرى، غير التي أعرفها و كأنني دخلت العمليات لأُولد لا لأَلد، مرت الأيام الأولى عليّ صعبة جدا و ثقيلة و لكني كنت عازمة على إجتيازها و تجاوزها سريعا و بمهارة استثنائية رغم كل الألم الذي كنت أعايشه لحظة بلحظة، و عادت قوتي التي كنت قد طرحتها أرضا قبل عشرة أشهر من تلك اللحظة، سخرها الله سبحانه و تعالى لي عُكازا اتوكأ عليه، فبعد مرور أسبوع واحد من الجراحة، عاندت وجعي و صممت على تنحيته جانبا ، قمتُ لتغيير “البامبرز” لزين رغم عدم إضطراري لذلك في وجود أمي و أخواتي، إلا أنني و رغم دوامة عدم الإدراك التي كنت أستقل دورا فيها ، شيئ ما كان يدفعني بقوة كي أكون كل شيئ يليق بزين،زين الذي يشبهني في كل الأشياء التي أحبها في نفسي و يحبها الآخرين فيّ و يتفوق علي في هفواتي ، قرر ” زين” و على عكسي تماما ان يواجه الحياة و مطباتها الصناعية بوجهه لا ان يعطيها ظهره، فقد اختار من بين كل الأوضاع المألوفة للأجنّة وضع خاص بِه ، يوجه فيه عينيه نحو من يقابله ، مسندا مؤخرة رأسه على عمودي الفقري . في أول لحظة إختليتُ فيها و زين بنفسيّنا بعد ما قمنا بوداع أمي و أبي و أخواتي و ذهاب أبيه للعمل ، بعد أسبوعين فقط من الولادة، أغلقنا باب الوداع غير مكترثين بما دار خلفه و إحتضنته كقطرة مياة أخيرة في بئر صحراوي وحيد، و ظللت أُقبل خديه و عينيه و كفيه و قدميه متسائلة: ماذا فعلت يا الله كي تمنحني ذلك المخلوق رائع الجمال؟ و تهشمت كل نظرياتي في الحياة على أعتاب براءته معلنة و للمرة الأولى ان الوقت الحالي هو الوقت الأمثل لهذا اللقاء الذي كنت اخشاه كثيرا كثيرا ، فقد أصبح زين حلقة الوصل بيني و بين العالم في اللحظة التي التي قررت فيها إفلات يدي من بين أصابعه الواهية .

 

مرت الثلاثة أشهر الماضية عليّ كأنها حلم مُربك ، لم أستفيق منه بعد، صحيح أن أناي الفطرية متراجعة بشكل لافت و تطلعاتي لنفسي، ضالة في كهف حالك الظلام ، تكاد الرؤية فيه أن تكون منعدمة، إلا انني أحب كل اللحظات التي أعيشها رفقة زين و أندم كثيرا كثيرا على أي لحظة أفوّتها على نفسي لإنشغالي في عمل شيئ أخر، يغلبني كثيراً الشعور بالإنهاك لكثرة تفاصيل يومي و تكالبها عليّ فأبكي بحرقة كشريد توسعه الطرقات وجعا و بردا في ليل الشتاء، فأعود على صوت إحدى ضحكات ” زين” الأخاذة ، زين الذي أصبح يحملني معه حيث يذهب، و يجبر روحي طوعا على الإرتواء بالحب بعد ظمأ الراحة. في ذكرى ميلادي لهذا العام ، أقف على ناصية عامي ال ٢٨ معتليةً قمة من نور ، عنوانها الأمومة، أعطتني بقدر ما أخذت مني بل و أكثر، معها و بها تضاعف إيماني بأني قادرة على تحقيق أية شيئ متى أردت، و لهذا قررت أن أتحاشى كل شعور سيئ خالجني مُذ أصبحت إحدى عضواتها، و أتكئ على حلمي و تحاملي و يد زين الصغيرة لأقول لكل من تشكو إنهاكها و تراجع خطواتها بسبب الأمومة :النجاح في الحياة مع الأمومة ممكن ، أي والله بل و أكثر من ذلك : فالأمومة هي ما تجعل للنجاح و التحقق طعم أكثر حلاوة والله لو تعلمّن ، فقط ” حبة صبر .. حبة حماس.. يبقى الحلم صورة و صوت. “.

 

خلال ساعتين من إستحضار الشعور الذي عبرت عنه بمداد خيالي ألف مرة و مرة ، بحثت خلالهما عن تعبيرات أهل لإحتضانه للمرة الأولى بين ورقة و قلم ، أفاق زين من نومه الزئبقي 4 مرات ما إضطرني لإبقائه في حضني ،ممسكة إياه بإحدى يداي بينما أكتب بالأخرى، الحقيقة أن هذا كان قراري منذ بداية عهد الحب بيننا، والذي أظن أنه سيسير معي على دربه ،حينما يُزهِر أكثر و تصبح لديه وجهة نظر ليتبنى : أن نظل معا مهما تمردت الأجواء علينا و أن نواجه الظروف مهما أعلنت أطرافها علينا من حروب و ها نحن نفعل.

عن الكاتب

Eman Salem

Eman Salem

اترك تعليقك